عباس الموسى - 30/01/2010م - 8:44 م | عدد القراء: 669


لقد تناول سماحة السيد منير الخباز في محاضرات عاشوراء أدلة المعرفة (العقائد) في الليلة الثالثة عشر من محرم الحرام، وجاء في ذلك قوله:
(الطرق القطعية لنظر الإمام ثلاثة: 1- إجماع، 2-ارتكاز علمائي، 3- تواتر إجمالي.
الطريق الأول: الإجماع، أن يجمع فقهاء تلك الحقبة (غير فقهاء زماننا) فقهاء الحقبة الصغرى، المعاصرة لغيبة الإمام، لماذا؟؟ لأن تلك الحقبة متصلة بالطبقة الذين عايشوا الأئمة وعاشروهم، وسمعوا منهم، فالمعول على تلك الطبقة, أجمع علماء تلك الحقبة (حقبة الغيبة الصغرى مثلا) على أن الإمام والنبي معصوم عصمة مطلقة (معصوم عن الخطأ والسهو والنسيان)

هذا الإجماع يعد كاشف قطعي عن نظر الإمام، لماذا؟؟ لأن لا يتصور أن يجمع كل العلماء في تلك الفترة على أمر وهم متصلون بعصر النص، ولم يكن الإمام راضياً بهذا الإجماع، فهذا غير معقول، وإلا لنقض الإمام إجماعهم لأنه قريب من عصرهم,......) إلى آخر كلامه في هذه النقطة[1].

ونحن انطلاقاً من هذا الكلام نناقشه، والنقاش بناء على اعتبار معرفة العقائد بالإجماع وسيكون ذلك في عدة أمور:

هل يمكننا أن نعتقد بالعصمة لوجود الإجماع على ذلك؟ وهل صحيح أن الإجماع يثبت العصمة أصلاً؟ وهل الإجماع دليل من الأدلة حتى نعتمد عليه في تثبيت عقيدة ما؟ وهل يمكن الاعتماد عليه في الفقه لنعمم ذلك الاعتماد على العقائد؟ وما المستند المثبت لدليلية دليل الإجماع حتى نعتمده ونأخذ منه عقائدنا؟

قاعدة اللطف:

إن حجية الإجماع على تفسير الإمامية هو من جهة كشفه عن السنة (أي رأي المعصوم) - على القول به - فتكون حجيته نابعة من حجية رأي المعصوم، وقد وقع الخلاف من ناحية تحقق هذا الكشف أولا، ومن ناحية كيفيته، وقد ذكروا طرقا للكشف نذكر أهمها "قاعدة اللطف" والتي ذكرها سماحة السيد في كلامه المتقدم، ومفاد هذه القاعدة: أنه لو اتفقت الأمة أو الفقهاء على خطأ أوجد ما يزيل هذا الاتفاق، ولو بإلقاء الخلاف من قبل الإمام عليه السلام، ولذلك فلو رأينا هناك اتفاقا فبحكم هذه القاعدة نستكشف أن ما اتفقوا عليه ليس خطأ بل هو صواب وإلا لوقع الاختلاف بينهم.

فما رأي العلماء في هذه القاعدة وتحقق الكشف والقطع بنظر الإمام بناء عليها؟ وهل يمكن الاعتماد عليها في تثبيت عقيدة ما؟ نستعرض معك أخي الكريم أقوال العلماء كما يلي:

الأول: الشيخ الأنصاري: وقد قال ما خلاصته: إن مستند الإجماع لا يخلو عن أمور ثلاثة: (السماع من الإمام مع عدم معرفته، قاعدة اللطف، حصول العلم من الحدس). والأول غير متحقق عادة لأحد من علمائنا المدعين للإجماع، والثاني ليس طريقا للعلم، فلا يسمع دعوى من اعتمد عليها. ....[2]

الثاني: المحقق صاحب الكفاية: أنه إذا كان ناقل الإجماع يعتمد على قاعدة اللطف فلا اعتبار بكلامه ....[3]

الثالث: المحقق العراقي: وخلاصة ما أفاده هو أنه: إذا كان ناقل الإجماع ممن يعتمد على قاعدة اللطف مثل الشيخ الطوسي فمن المشكل الاعتماد عليه، لضعف المبنى.[4]

الرابع: السيد الخوئي: قال - بعد أن ذكر أنواع الطرق وناقشها -: "فتحصل مما ذكرناه في المقام: أنه لا مستند لحجية الإجماع أصلا وإن الإجماع لا يكون حجة، إلا أن مخالفة الإجماع المحقق من أكابر الأصحاب وأعاظم الفقهاء مما لا نجترئ عليه، فلا مناص في موارد تحقق الإجماع من الالتزام بالاحتياط اللازم كما التزمنا به في بحث الفقه"[5]

الخامس: الإمام الخميني: فإنه قال: "إن القوم ذكروا لاستكشاف قول الإمام عليه السلام طرقا أوجهها دعوى الملازمة العادية بين اتفاق المرؤوسين على شيء ورضى الرئيس به، وهذا أمر قريب جدا"[6].

وبناء على رأي العلماء لا يمكن الاعتماد على قاعدة اللطف في كشف نظر الإمام، وعليه لا يمكن القول بعصمة الأئمة بناء على الإجماع.

الإجماع التقريري:

وقد يقال أن المقصود من ذلك الإجماع التقريري لا ما رميت إليه ومفاده أن يتفق العلماء أو جماعة منهم على حكم شرعي بمرأى ومسمع من الإمام عليه السلام فلم يردعهم، بل يقرهم على ما اتفقوا عليه، فهذا التقرير لهذا الاتفاق كاشف عن أن الحق هو ما ذهب إليه المتفقون، لأنهم لو كانوا مخطئين لردعهم عن ذلك، لكنه لم يفعل.

أو قد يقال باتفاق المرؤوسين مع الرئيس بما حاصله:

وجود الملازمة العادية بين الإجماع وقول المعصوم عليه السلام بدعوى أن العادة تحكم بأن اتفاق المرؤوسين على أمر لا ينفك عن رأي رئيسهم.

وفيه: بأن هذا إنما يتم في حالة الحضور حيث يكون المرؤوسون ملازمين للرئيس، وأنى ذلك في زمن الغيبة؟!

هل الإجماع دليل قائم بنفسه؟

أخي الكريم: هل يعتبر الإجماع دليلاً قائماً بنفسه ليكون أحد الأدلة الأربعة؟ وليكون مثبتاً لأمر ما ؟ !

والجواب على ذلك: لا. إن الإجماع ليس بحجة منفردة ولا بدليل مستقل، وإنما هو مجرد كاشف عن الدليل، يعني كاشف عن آية أو رواية تنطق بالحكم ليس إلا، وإذا كان الأمر كذلك فالأمر سهل كما يقولون.

وعلى هذا يرى أعلام الطائفة أن الأدلة ثلاثة (الكتاب والسنة والعقل) وليس الإجماع ضمنهم، فليس هو دليلاً قائماً بذاته كما قال الشيخ النائيني: (ليس الإجماع دليلاً برأسه في مقابل الأدلة الثلاثة: الكتاب والسنة والعقل)[7].

وقال الإمام الخميني: (وأما عندنا فهو ليس دليلا برأسه في مقابل السنة، بل هو عبارة عن قول جماعة يستكشف منه قول المعصوم -عليه السلام- أو رضاه)[8].

وقال الشيخ الأنصاري: (الإجماع هو الأصل للسنة، وهم الأصل له)[9].

وقال السيد الخوئي كما مرّ: أنه لا مستند لحجية الإجماع أصلا وإن الإجماع لا يكون حجة... "[10]

أما عد الإجماع من الأدلة الأربعة في الفقه فهو من باب التسامح ليس إلا، لأن الإجماع يكشف عن وجود الدليل فسمي الكاشف والمكشوف –المجموع– دليلاً.

نعم إخواننا السنة يقولون بأن الإجماع دليل من أدلة الفقه ولسنا نتفق معهم، لأننا نرى جواز تخطئة الإجماع والمجمعين كما جاء عن المحقق القمي في كتاب القوانين: (يجوز الخطأ على كل واحد من المجمعين، فهكذا المجموع)[11].

أقسام الإجماع:

للإجماع أقسام نشير إلى أهمها فيما يرتبط بموضوعنا:

1- الإجماع المحصل: وهو أن يحصل الإنسان نفسه الإجماع من دون أن يخبره به أحد، كما إذا فحص كتب الفقهاء جميعها فرآهم اتفقوا على رأي فقهي. ولا يخفى حجية هذا النوع من الإجماع بالنسبة إلى هذا الشخص إن كان الطريق - الذي حصل به الإجماع - حجة عنده.

وفيه أن هذا الإجماع متعذر من ناحية ومن ناحية أخرى إذا تم فإنه يتم في الفقه لا في العقائد.

2- الإجماع المنقول: وهو الإجماع (المحصل) الذي ينقله فقيه عن فقيه آخر.

وفيه: يحتاج ذلك إلى نقل المصادر الناقلة للإجماع ومعرفة من يتبنى ذلك، وهل لا يوجد خلاف لذلك، وواضح أيضاً من التعريف إنما يراد من ذلك المسائل الفقهية لا العقائدية فتنبه.

3- الإجماع المدركي: وهو الإجماع الذي نعرف المستند الذي استند إليه الفقهاء في فتواهم.

هذا ملخص الإجماعات ويلاحظ عليه ما يلي:

أولا: إن الإجماع مرتبط بالمسائل الشرعية (الفقهية) وليس بالمسائل العقدية (المعارف).

ثانيا: إن الإجماع المحصل الفقهي متعذر بل من أصعب الصعوبات فما بالك بالعقائد.

ثالثاً: إن الإجماع المنقول إنما يكون حجة – على القول به – لمن ينقله لا لمن يرى قول من ينقله.

رابعا: إن وجود الإمام في الإجماع المدركي يقتضي أن لا أثر ولا أهمية للإجماع  حيث وجود الإمام.

ولعل الحديث هنا عن الإجماع المنقول لأنه لا يمكن تحصيل الإجماع المحصل لتعذره ولا فائدة للإجماع المدركي لمعرفة المستند فلم يبق إلا الإجماع المنقول!.

هل الإجماع المنقول حجة؟

إن الإجماع المنقول إنما يعتمد بخبر الواحد الذي حصله الناقل بعد مراجعته لمصادر العلماء الأوائل، وهل يمكن الاعتماد على هذا النقل وترتيب الآثار عليه بحيث يكون كالإجماع المحصل – المتعذر -؟!

والحق: أنه لا يجب العمل [يعني في الحكم الشرعي] بالإجماع المنقول بخبر الواحد لأن خبر الواحد ليس بحجة من أصله وهذا ما تبناها مشهور القدماء.

ما الإجماع المعتمد؟

الإجماع المعتمد هو ما كان من المتقدمين كما أقر بذلك أكابر علماء الطائفة ولولا هؤلاء الأكابر لما كان لأحد قبول الإجماع كما قال السيد الخوئي أعلاه. ومن هؤلاء الصدوقين والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي.

ونبقى في ذلك مع مثالنا وهو الإيمان بالعصمة من خلال الإجماع فإنه مما لا يمكن الاعتماد عليه إطلاقاً وإلا لحدث التناقض والاضطراب بل قد يكون خلافه أقوى إن كان النظر إلى ذلك الإجماع فإنه في زمن المتقدمين كانوا يختلفون في المسائل الأصولية كالفرعية، فربما كان بعض الاعتقادات عند بعضهم كفراً وغلواً أو تفويضاً وجبراً أوتشبيهاً أو نحو ذلك وعند آخرين مما يجب اعتقاده كما قال الوحيد البهبهاني فهل يمكن الاعتماد على الإجماع.[12]

وإذا كان الشيخ المفيد ممن يؤخذ برأيه في الإجماع فإنه يقول في كتابه "أوائل المقالات" في خصوص صدور الصغائر من الأنبياء: (... أما ما كان من صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد وممتنع منهم بعدها على كل حال ...)[13] وعليه فإن الإجماع غير متحقق في الاعتقاد بالقول بعصمة النبي قبل بدء النبوة أو على أقل تقدير فيه مخالف.

بل أن الإجماع على الخلاف من القول بعصمة الأئمة حيث ذهب جماعة من الشيعة إلى أن الأئمة هم من كمّل المؤمنين مع نفي العصمة لكن شاء المغالون والوضاعون أن يدسوا في الإمامة كل ما يريدونه حتى رفعوها إلى حد الربوبية فهذا الوحيد البهبهاني في فوائده الرجالية يقول:

(إن كثيراً من القدماء لا سيما القميين وابن الغضائري كانوا يعتقدون بأن للأئمة مكانة لا يجوز تعديلها والارتفاع عنها، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعا وغلواً، فاعتبروا مثل نفي سهو النبي عنهم غلواً، بل وربما جعلوا نسبة مطلق التفويض إليهم أو التفويض المختلف فيه أو الإغراق في اعظامهم وحكاية المعجزات وخوارق العادات عنهم أو المبالغة في تنزيههم عن كثير من النقائص وإظهار سعة القدرة وإحاطة العلم بمكنونات الغيوب في السماء والأرض ارتفاعاً وموجباً للتهمة، خصوصاً والغلاة كانوا مخلوطين بهم يتدلسون فيهم).[14]

ولاحظ كلام الوحيد البهبهاني جيدا فقد قال (إن كثيراً من القدماء) وهم ممن يعتمد عليهم في الإجماع لا يقولون بعصمة الأئمة فكيف يقال بالإجماع في عصمة الأئمة؟! فحسن الظن يوحي إلينا بعدم إطلاع من يقول بهذا الرأي على رأي المتقدمين. وإذا أرادنا إساءة الظن قلنا بمحاولة إخفاء الحقيقية.

كما أن هناك من العلماء والرواة ممن عاصروا الأئمة يروون أن أئمة أهل البيت علماء أبرار ولا يرون أنهم معصومين وإلى ذلك أشار الشهيد الثاني في كتابه (حقائق الإيمان) ص151 منه بقوله:

(... وليس بعيداً الاكتفاء بالأخير على ما يظهر من حال رواتهم ومعاصريهم من شيعتهم في أحاديثهم (عليهم السلام) فإن كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار، يعرف ذلك من تتبع سيرتهم وأحاديثهم. وفي كتاب أبي عمر الكشي رحمه الله جملة مطلعة على ذلك، مع أن المعلوم من سيرتهم عليهم السلام مع هؤلاء أنهم كانوا حاكمين بإيمانهم على عدالتهم).

ثم انظر إلى رأي ابن الجنيد حيث كان يرى أن الأئمة يجتهدون ويعملون بالرأي، وذلك عندما وجد الأقوال المنقولة عنهم متضاربة حيث جمع مسائل وكتبها إلى أهل مصر وسماها (الرسائل المصرية) ذكر فيها أن أخبار الأئمة مختلفة في معانيها لاعتمادهم على الرأي.[15]

بل أن هناك من يرى أن النبي يسهو وينسى كما هو الصدوق وأستاذه ابن الوليد وهما من المتقدمين والطبرسي ونعمة الله الجزائري والفيض الكاشاني والسيد الخوئي وقد سطرنا ذلك في مقال سابق بعنوان (عذراً يا سيد محمد علي) منشور في راصد وبعض الشبكات فراجع.

فأين الإجماع المعتبر به بين المتقدمين؟! قد يراد به إجماع المتأخرين ولكن هفوة اللسان وزلة الجنان أغفلت التفريق بين المتقدمين والمتأخرين وحينها نقول إن كان المقصود المتأخرين فهو صحيح، أي أنه يبدو أنهم اتفقوا على القول بعصمة الأئمة ليس إلا!.

الميزان في التشيع:

بعد أن تعرف الإمام يجب عليك طاعته والإيمان بعصمته وهذا هو الميزان في التشيع، قال سماحة السيد (إذاً ميزان التشيع أن تعترف بأن هناك إماماً معصوماً وأن عليك أن تكون جميع أعمالك بدلالة هذا الإمام، هذا هو التشيع وهو أن تعترف بأن جميع أعمالك لابد أن تكون بدلالة هذا الإمام المعصوم).

نعم أن تكون الأعمال بدلالة الإمام صحيح بعد التأكد من صحة الصدور القطعي طبعاً، ولكن الإيمان بضرورة العصمة والتي منها عدم السهو والنسيان وأن ذلك هو ميزان التشيع فإن ذلك يخرج الكثيرين من التشيع كما أثبتنا أقوالهم أعلاه منهم أهل قم في القرون الثلاثة الأولى ومن أبرزهم الشيخ الصدوق وأستاذه ابن الوليد وابن الغضائري وابن الجنيد والشيخ المفيد وغيرهم، ومن المتأخرين الطبرسي صاحب مجمع البيان ونعمة الله الجزائري والفيض الكاشاني والسيد الخوئي لأنهم يؤمنون جميعاً بسهو المعصوم ولو في الموضوعات الخارجية فهل هؤلاء خارج ميزان التشيع!!

وقد يقول بعض السذج: هل يعني ذلك أنك لا تؤمن بعصمة الأئمة؟

فأقول: إن عصمة الأئمة لا يمكن إثباتها من خلال الإجماع بحال من الأحوال وقد عرفت ذلك، لكن يمكن إثبات ذلك من خلال القرآن كما في آية التطهير وغيرها ومن خلال السنة المتواترة كحديث الثقلين وأما الإجماع فهو مما لم يقل به أحد في إثبات العصمة.

التناقضات والاضطرابات:

لقد كان هناك اضطراب أو تناقض أو خلط – سمه ما شئت – في كلام السيد.

هل أننا نثبت العصمة بالعقل؟! أو بالدليل النقلي؟!

فلو قلنا بالعقل فلا محالة من الاختلاف، لاختلاف العقول ومداركها. ومن لا يستطيع أن يدرك هذه الحقيقة بعقله من الشيعة لا يمكن إخراجه من التشيع على هذا.

وإن كان الدليل النقلي هو الدليل لإثبات العصمة، فنحن بين مدلول الدليل النقلي وإثباته ليكون حجة على من يثبت عنده وهذا السبب في نشوء الخلاف والاختلاف في مسألة العصمة في الوسط الشيعي.

وإذا كان العقل هو الحاكم بالعصمة فما الفرق بين إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته وبين إثبات العصمة للنبي والإمام هل هما بنفس الدرجة والأهمية أم هناك درجات؟

وماذا إذا لم يتوصل الفرد الشيعي بعقله إلى ضرورة عصمة الإمام فهل يخرج عن التشيع لأن عقله لا يدرك هذه الحقيقة؟ وهل يمكننا أن نجادل السنة بالدليل العقلي في إثبات العصمة؟!

ينبغي أن يكون هناك تفريق بين أدلة العقائد وبين الطرق القطعية لنظر الإمام إلا إذا كان يقصد من الطرق القطعية لنظر الإمام هو أدلة المعرفة (العقائد)!

سماحة السيد في بداية محاضرته قال ما هذا نصه:

(إذاً هذه الأصول الخمسة مما يجب معرفتها عقلاً ولوازمها، مثلاً: من لوازم النبوة والإمامة أن يكون النبي عالماً بالتشريع وأن يكون معصوماً إذ لا يمكن أن يكون إماماً أو نبياً وحجة على الغير ما لم يكن عالماً بالتشريع ومعصوماً, إذاً هذه أمور عقلية يجب معرفتها عقلاً لأن العقل حاكمٌ بها).

هذا بعد أن قسم ما يجب معرفته عقلاً، وما لا يجب معرفته عقلا وقد أدخل معرفة النبوة الإمامة ولوازمها التي منها العصمة مما يجب معرفته عقلاً حيث قال لاحظوا (مما يجب معرفتها عقلاً) ثم وبعد الاستمرار والحماسة تحدث عن كيفية القطع بنظر الإمام، فقال (الطرق القطعية لنظر الإمام الإجماع ...).

والأولى بيان أن العقيدة تأخذ من القرآن أو السنة المتواترة والعقل ولا سبيل لمعرفة نظر الإمام في العقيدة إلا بالسنة المتواترة لأن الإجماع ما هو إلا عبارة عن ظن أو أن طريقه ظن وفي كلا الحالتين ظن، وضم الظن إلى الظن لا يورث إلا الظن.

ثمة شيء مهم هنا وهو: أنه إذا كان من لوازم النبوة والإمامة الإيمان بالعصمة وهذه الأصول ولوازمها إنما يكون بالعقل فكيف يقال (أجمع علماء تلك الحقبة -حقبة الغيبة الصغرى مثلا- على أن الإمام والنبي معصوم عصمة مطلقة -معصوم عن الخطأ والسهو والنسيان-)!، وإذا كان (العقل حاكمٌ بها) كما قال فما الذي يمثله ويظهره الإجماع!! فإما أن نقول بأن العصمة إنما يتم التوصل إليها بالعقل أو بالإجماع، والقول أنها تكون بالعقل يهدم الكلام الأول وهو الإجماع، والقول بأنه بالإجماع فإثبات إجماع الإمامية على عصمة الإمام دونه خرط القتاد فتنبه.

الإجماع في العقائد:

نقول كما قال السيد الطباطبائي صاحب الميزان (أعلى الله مقامه) لا حجية للإجماع في المسائل العقائدية، ذلك أن حجية الإجماع إنما هي من باب خبر الواحد أو في حكم خبر الواحد، وخبر الواحد لا يفيد أكثر من الظن، فيما المطلوب في الأصول الاعتقادية تحصيل اليقين، من هنا لم يكن للإجماع في العقائد اعتبار، نعم له اعتبار في الأحكام الفقهية.[16]

فحجية الإجماع في النطاق الفقهي فقط ولا يتعداه إلى المسائل العقائدية فلا يقول قائل أن هناك إجماع حول المسائل العقائدية المعينة بعد بيان أن لا حجية للإجماع في العقائد.

ومع ذلك –القول بإمكان الإجماع في الفقه– فإن دعوى الإجماع لا تحظى لدى العلماء المتأخرين بالاعتبار، وذلك لكثرة التناقضات فيها.

إن أكثر الفقهاء أو الكثير منهم ينقلون الإجماع في مسائل اشتهر فيها الخلاف، وبعضهم يدعي الإجماع على فتوى ثم يرجع عنها، وفوق ذلك ينقل بعض الفقهاء الإجماع على مسألة لم يتعرض لها أحد سواه!.

ومن ذلك أن الشهيد الثاني رحمه الله أفرد قريبا من أربعين مسألة نقل الشيخ الطوسي فيها الإجماع مع أنه بنفسه خالف في الحكم فيها بعينه إما في كتابه ذلك بعينه أو في كتابه الآخر، وذكر أن الشيخ قال في النهاية في كتاب الحدود: إن من استحل أكل الجري والمارماهي وجب قتله، وهذا دعوى الزيادة على الإجماع على تحريم أكلها مع أنه في كتاب الأطعمة من النهاية بعينه جعلهما مكروهين. قال: وقد أفردنا هذه المسائل للتنبيه على أن لا يغتر الفقيه بدعوى الإجماع فقد وقع فيه الخطأ والمجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ والمرتضى انتهى كلامه. وكثيرا ما يقع منهم نقل الإجماع في مسألة على حكم مع نقل الإجماع على خلاف ذلك الحكم بعينه في تلك المسألة بعينها إما في ذلك الكتاب بعينه أو في غيره فضلا عن نقل الخلاف فيها مثل ما وقع من الشيخ الطوسي من نقله الإجماع على وجوب سجود التلاوة على السامع ونقله إياه على عدم وجوبه عليه أيضا ولهذا نزل الشهيد لفظ الإجماع الواقع في كلامهم على معنى الشهرة في ذلك الوقت أو عدم إطلاعهم حينئذ على المخالف أو ما يقرب من ذلك صونا لكلامهم عن التهافت فمثل هذا الإجماع ينبغي أن لا يعتمد عليه أصلا.[17]

الارتكاز العلمائي:

وإذا حاولنا أن نعيش مع الأئمة فيتضح من خلال المنقولات الروائية والتاريخية عدم وجود ارتكاز علمائي لعصمة الأئمة وهذا ما حدث مع أمير المؤمنين حيث كان يعتقد بعضهم أنه أعلمهم وأعرفهم بالمسائل العلمية لا غير والأعلمية لا تعني العصمة في نظرهم، وإذا حاولت أن تغوص في حياة الإمام الحسن لوجدت نفس الشيء بل قد مرّ عليك أخي القارئ قول حجر بن عدي بن حاتم الطائي[18] أو كما قيل سفيان بن الليل (أو ليلى)[19] وهو من أصحاب الإمام الحسن (يا مذل المؤمنين) فهل أن أحداً يؤمن بعصمة الإمام يقول بهذا القول!

وحسبك أيضاً بعض ما ينقل عن بعض أصحاب الإمام الصادق كما في الرواية التالية:

فقد روي عن عبد الرحمن بن الحجاج عن هاشم صاحب البريد أنه قال: تنازعنا أنا ومحمد بن مسلم وأبو الخطاب فيمن لا يعرف هذا الأمر «أي الإمام»، فلما حججت دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأخبرته بما جرى

إلى أن ... وأخيرا وبعد أن لمس منهم الإصرار والتصلب في ادعائهم، قال: سبحان الله هذا قول الخوارج، وأضاف إلى ذلك: انه لشر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا.[20]

وهذا الإصرار من هؤلاء الأصحاب والتصلب في ادعائهم إنما هو لأجل عدم إيمانهم بعصمة الإمام وإلا كيف يجادلون من يؤمنون بعصمته!

وما جاء عن أشهرهم وأفقههم وهو زرارة بن أعين الذي كان يجادل الإمام الباقر عليه السلام كما جاء في الرواية:

عن زرارة قال : دخلت أنا وحمران - أو أنا وبكير - على أبي جعفر (عليه السلام) قال : قلت له : إنا نمد المطمار قال : وما المطمار ؟ قلت : التر فمن وافقنا من علوي أو غيره توليناه ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه ، فقال لي: يا زرارة قول الله أصدق من قولك ، فأين الذين قال الله عز وجل : " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " أين المرجون لأمر الله؟ أين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؟ أين أصحاب الأعراف أين المؤلفة قلوبهم؟!. وزاد حماد في الحديث قال: فارتفع صوت أبي جعفر (عليه السلام) وصوتي حتى كان يسمعه من على باب الدار. وزاد فيه جميل، عن زرارة: فلما كثر الكلام بيني وبينه قال لي: يا زرارة حقا على الله أن [لا] يدخل الضلال الجنة[21].

قال المجلسي قوله: " فارتفع صوت أبي جعفر عليه السلام" هذا مما يقدح به في زرارة ويدل على سوء أدبه، ولما كانت جلالته وعظمته ورفعة شأنه وعلو مكانه مما أجمعت عليه الطائفة وقد دلت عليه الأخبار المستفيضة، فلا يعبأ بما يوهم خلاف ذلك.

ويمكن أن يكون هذه الأمور هو في بدو أمره قبل كمال معرفته، أو كان هذا من طبعه وسجيته ولم يمكنه ضبط نفسه، ولم يكن ذلك لشكه وقلة اعتنائه، أو كان قصده معرفة كيفية المناظرة في هذا المطلب مع المخالفين، أو كان لشدة تصلبه في الدين وحبه لأئمة المؤمنين، حيث كان لا يجوز دخول مخالفيهم في الجنة، مع أنه كان يحتمل ويجوز أن يكون تجويزه عليه السلام تقية أن يدخل الضلال الجنة أي بعضهم.[22]

أقول: هذه محاولة تبريريه لموقف زرارة وما يمكن قراءته هنا أن زرارة لم يكن يعتقد أو يعترف أو يعرف أو يعتبر –سمه ما شاءت – بعصمة الإمام وإلا هل يعقل أن يكون أحدهم يعتقد(!) بعصمة الإمام ولا ينصاع لكلامه دون مناقشة.

بل أن مسألة عصمة الإمام ومناقشتها وإثباتها لم تكن إلا في زمن الإمام الصادق على يد هشام بن الحكم المتكلم الأول في زمن الإمام الصادق وهو من أصحابه النجباء [23]. فأين هو الارتكاز العلمائي.

أما مسألة التواتر الإجمالي فقد تحدثنا عنها في موضوعنا السابق (ما منا إلا مقتول أو مسموم!) فراجع إن شئت.

والحق الذي نعتقده أن الكشف عن نظر المعصوم لا يكون إلا بالسنة المتواترة (اللفظية والمعنوية)، وأنه لا الإجماع ولا الارتكاز العلمائي ولا التواتر الإجمالي له الكشف القطعي عن نظر المعصوم وإن فرض أن له كشف فهو ظني (مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴿النجم: ٢٨﴾، وليس للإجماع دخل في إثبات أي عقيدة كانت أساسية (من الأصول الخمسة) أو فرعية (من لوازمها) وإنما ذلك للقرآن الكريم أولاً والسنة المتواترة (اللفظية والمعنوية) ثانياً والعقل القطعي ثالثاً. وغير ذلك باطل فافهم .



 


[1] انظر موقع المنير www.almoneer.org/ في المحاضرات الصوتية لعام 1431 .

[2] الرسائل ( فرائد الأصول ) : 83 - 87 و 102

[3] الكفاية 2 : 291 .

[4] نهاية الأفكار 3 : 96 - 98 وهامش فوائد الأصول 3 : 147 .

[5] مصباح الأصول 2 : 141 .

[6] تهذيب الأصول 2 : 168 .

[7] فوائد الأصول – للخرساني ج3 – ص151

[8] أنوار الهداية - السيد الخميني - ج 1 - ص 254 – 255

[9] الأصول المهذبة (المعروف بخلاصة الأصول) - المجتهد التبريزي - ص 83 ، فرائد الأصول (الرسائل) للشيخ الأنصاري ص 48 الطبعة الحجرية نقلا عن كتاب سفينة النجاة - السرابي التنكابني - ص 14.

[10] مصباح الأصول 2 : 141 .

[11] قوانين الأصول – الميرزا القمي – ص 367 .

[12] الفوائد الرجالية -الوحيد البهبهاني – 38 ، وعدة الرجال ج1 - 155

[13] أوائل المقالات - الشيخ المفيد – ص 62

[14] الفوائد الرجالية -الوحيد البهبهاني – 38 ، وعدة الرجال ج1 - 155

[15] المسائل السروية – الشيخ المفيد – ص75

[16] الشيعة للطباطبائي /50

[17] الأصول الأصيلة - الفيض القاساني - ص 145

[18] الهداية الكبرى – الحسين بن حمدان الخصيني - 192 ، دلائل الإمامة – محمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) – ص166 ، اليقين – السيد ابن طاووس – ص 26

[19] الاختصاص – الشيخ المفيد – ص 82 ، الملاحم والفتن – السيد ابن طاووس – ص 72

[20] الكافي ج2 - ص 410 و402

[21] الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 382 – 383

[22] مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول- ج‏11- ص 108.

[23] انظر تطور المباني الفكرية للتشيع – د حسين المدرسي الطباطبائي – ص 17 .

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: