![]() |
|
سماحة الشيخ محمد حسن الحبيب - 04/02/2010م - 11:13 م | عدد القراء: 229
![]() انتهت معركة كربلاء، وظن الأعداء أن كل شيء قد انتهى، فراحوا يطوفون ببنات الرسالة على البلدان فرحة وابتهاجاً بوهم النصر العظيم، ولإشراك أكبر قدر ممكن من أبناء الأمة وتوريطهم تحت شعار النصر ... فليس يزيد وحده هو من سطر ملحمة الانقلاب على قيم الرسالة والانفلات من حدودها وضوابطها، بل قسم من أبناء الأمة أيضاً اشتركوا معه في هذه الملحة. هكذا أرادوا ... أن تكون الردة من الجميع، وهذا هو شأن كل الطغاة وفي كل العصور لا يفكرون في النجاة إلا لأنفسهم! لكنهم إذا ما تعرضوا للغرق والهلاك فإنهم يعملون بكل ما في وسعهم لإغراق من معهم! والمتفرجين أيضاً، بل وكل من يتمكنون منه... ومن أجل هذا عملوا... ولكن كانت المفاجأة من حيث لا يشعرون... أن بدأت المسيرة نحو النجاة من عبادة الإنسان للسلطان، وظلم الإنسان للإنسان. وكان رمز هذه المسيرة عاشوراء وكربلاء، فكل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء.
الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية في أيام أمير المؤمنين (ع) وهي تحتضن المعارضين للدولة الأموية، والموالين لأهل البيت (ع). ونظراً لما تمثل من ثقل عمد بنو أمية إلى التركيز عليها وتمييع أهلها، بالترهيب والترغيب... قبل وأثناء المعركة... وبعد حسم المعركة عسكرياً توجهوا إلى توظيفه في إدخال الرعب في البقية الباقية من أصحاب الضمائر الحرة، من خلال عمل استعراضي يبرز المهانة والانكسار لآل بيت الوحي!!. فكانت الكوفة هي المحطة الأولى للموكب الحسيني المؤلف من النساء والأطفال، وليس معهم من الرجال إلا رجل واحد هو الإمام السجاد (ع)، وقد أعدوا لحملهم إلى الكوفة أربعين جملاً بغير وطاء ولا غطاء، ونقل بعض المؤرخين أن الإمام السجاد (ع)، كان يترشح من فخذيه الدم، وقال بعضهم أن أوداجه كانت تشخب دماً وكان (ع) يقول:(1) يا أمة السوء لا سقيا لربعكم يا أمة لم تراع جدنا فينا لو أننا ورسول الله يجمعنا يوم القيامة ما كنتم تقولونا تسيرونا على الأقتاب عارية كأننا لم نشيد فيكم دينا بني أمية ماهذا الوقوف على تلك المصائب لا تلبون داعينا تصفقون علينا كفكم فرحا وأنتم في فجاج الأرض تسبونا أليس جدي رسول الله ويلكم أهدى البرية من سبل المضلينا يا وقعة الطف قد أورثتني حزنا والله يهتك أستار المسيئينا ومع دخولهم إلى الكوفة كانت هناك مواقف كثيرة؛ الأهم منها ماكان بادياً على وجوه الأطفال من آثار الجوع والعطش مما أثار شفقة الكوفيين، فراحوا يناولون الأطفال بعضاً من التمر والخبز، وكان الرد: رفض الشفقة، وتوجيه الأنظار نحو طريقة التعاطي مع قادة النهضة وذويهم. قالت أم كلثوم: يا أهل الكوفة: تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم!! فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء. (2) ولعل الموقف الأكثر ألماً وحرقة مفاجأة النساء بالرؤوس؛ يتقدمهم رأس الإمام الحسين (ع)، حينها ضربت السيدة زينب (ع) جبهتها بمقدم الأقتاب فخرج الدم منها حتى رأوه يسيل من تحت قناعها، ولم يكن ذلك حباً في إسالة الدماء ولكن لبيان رسالة مفادها أن سلاح الدم الذي يمتلكه كل إنسان أمضى من أي سلاح، وأقوى من كل عتاد، وما من أمة تسلحت بهذا السلاح إلا وانتصرت على ظالميها ولو بعد حين. وفي مجلس ابن زياد أدخلت الرؤوس أولاً، وأحضر الرأس الشريف بين يدي ابن زياد، فنظر إليه وتبسم!! ثم رفع قضيباً كان في يده وأخذ يضرب ثنايا الإمام الحسين (ع). لم يكن حينها أحد من الموكب، والهدف من هذه العملية زرع الخوف واستكشاف المخالفين وإبعادهم عن جلسة الموكب. وهذا ما حصل فعلاً فقد قام الصحابي الجليل زيد بن أرقم وقال لابن زياد: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله (ص) عليهما مالا أحصيه كثرة، تقبلهما. ثم انتحب زيد باكياً... فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، أتبكي لفتح الله؟ والله لو لا أنك شيخ كبير قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك!!. (3) وأمام هذا التهديد والوعيد انصرف الصحابي زيد بن أرقم عن مجلسه وهو يقول: أيها الناس أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمَّرتم ابن مرجانة، والله ليقتلن خياركم وليستعبدَّن شراركم فبعداً لمن رضي بالذل والعار. (4) ثم أُدخل الموكب على ابن زياد. فقال لهم بحقد وشماتة: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم!! فتصدت له السيدة زينب (ع) فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (ص)، وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو أنت يا عدو الله وعدو رسوله. فقال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين وأهل بيته؟ فقالت: إن الله كتب عليهم القتال فتبادروا أمر ربهم وبرزوا إلى مضاجعهم، فقاتلوا ثم قتلوا في الله وفي سبيل الله، وسيجمع الله بينك وبينهم، وتتحاجون وتتخاصمون عند الله، وإن لك موقفاً فاستعد للمسألة جواباً، إذا كان القاضي الله، والخصم جدي رسول الله (ص)، والسجن جهنم .(5) ثم توجه ابن زياد إلى الإمام السجاد (ع) وقال له: من أنت؟ فقال الإمام (ع): أنا علي بن الحسين. فقال اللعين: أليس قد قتل الله علياً بن الحسين. فقال الإمام (ع): قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس. فقال اللعين: بل الله قتله. فقال الإمام (ع): الله يتوفى الأنفس حين موتها. فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي، وفيك بقية للرد علي، اذهبوا به فاضربوا عنقه. هنا تدخلت السيدة زينب (ع) وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت لا والله لا أفارقه، فان قتلته فاقتلني معه. فقال الإمام (ع): لعمته اسكتي يا عمة حتى أكلمه، ثم اقبل عليه فقال: أبالقتل تهددني يا ابن زياد، أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة.(6) لم يكن كل ما جرى بالشيء السهل فهو أمر خطير جداً، وقد شكل بمجموعه انعطافة حادة في تاريخ الأمة، وفي المنعطفات عادة تستدعى القوى الكامنة في الأمة أو ما يسمى في الجيوش بقوات الاحتياط. عبد الله بن عفيف الأزدي واحدٌ من تلك القوى التي دخلت وبفاعلية للتخفيف من حدة هذا المنعطف الخطير. كان في المسجد على العادة فسمع عبيد الله بن زياد يخطب: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب بن الكذاب وشيعته. فقام إليه ابن عفيف وقال له: يا ابن مرجانة؛ إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه يا عدو الله. أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟ فغضب ابن زياد وقال: من هذا المتكلم؟ فقال: أنا المتكلم يا عدو الله؛ أتقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس وطهرهم تطهيراً، وتزعم أنك على دين الإسلام واغوثاه ... أين أولاد المهاجرين والأنصار ينتقمون منك ومن طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين؟ فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه.. وتوجه إلى جلاوزته قائلاً: علي به فتبادرت إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه، فنادى بشعار الأزد "يا مــبرور" وفي الكـوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل فاجتمعوا وانتزعوه من الجلاوزة.(7)
الشام عاصمة الحكم الأموي، وفيها نشأت قوتهم ونما سلطانهم، ومنها انبعثت الأوامر والعدة والعتاد لقتل الإمام الحسين (ع)، وبعد المعركة صدرت الأوامر بحمل الرؤوس والنساء والأطفال إلى الشام، وعرضهم على جميع البلدان الواقعة بين الكوفة والشام على طريق الفرات. ومن الواضح أن الهدف من ذلك ليس الاعتذار لأهل بيت النبوة، أو تقديم واجب العزاء لمخدرات الرسالة، وإنما التنكيل بهم وإنزال المزيد من الإذلال والإهانة عليهم. وبنو أمية ليسوا بدعاً من الطواغيت والظلمة والمحتالين على مر التاريخ، فكل شيء يوظف لتثبيت الولاء لهم، وزرع الخوف في نفوس الأبرياء ضعافاً أو أحراراً، وهم في ذلك من أمهر الناس وأبرعهم، ألا ترى أنهم يوظفون حتى الوهم؟ أليس في قتل الإمام الحسين (ع) تتجلى حقيقة الجريمة والاعتداء على أصول الدين وفروعه وقيمه وأركانه وتعاليمه وأحكامه. ومع ذلك توهموا أن ذلك نصراً عزيزاً وفتحاً مبيناً فراحوا يستثمرونه في تثبيت أركانهم وحشد التأييد لدولتهم. ولكن نور الموكب الحسيني بدد أوهامهم، وفتت أحلامهم، وكشف زيف انتصاراتهم. قبل وصول الموكب إلى دمشق كان يزيد في بلدة تقع في الأطراف يقال لها جيرون، وفيها التقى الحاضر بالماضي ليكشف عن حقيقة متصلة بعمق التاريخ، ففي الماضي زفنت (رقصت) امرأة بين يدي الملك. فقال لها ماحاجتك؟ قالت رأس يحيى بن زكريا! فأعظم ذلك. فقال له جلساؤه: امض لها ما جعلت لها، فأتى إلى يحيى بن زكريا (ع) وهو في جيرون قائم يصلي فضرب رأسه(8)، وأعطي إليها. وبعد مئات السنين يقف يزيد في ذات الموقع الذي قطع فيه رأس يحيى بن زكريا (ع) وهو يصلي، ليرى قبيح فعله وأمره! وما اقترفت يداه من الإثم والعدوان على آل البيت (ع)، وليته اتعظ بل تمادى في طغيانه وراح ينشد لنفسه: لما بدت تلك الحمول وأشرقت تلك الشموس على ربا جيرون نعب الغراب فقلت صح أولا تصح فلقد قضيت من الغريم ديوني(9) والحقيقة التي كشفتها "جيرون" أن أولياء الله في صراع مستمر مع أولياء الشيطان، فأولياء الله يضحون من أجل مبادئ السماء، وقاتليهم يعملون للنزوات والشهوات فمن أجل سهرة برقص ماجن يَقتل، ومن أجل كرسي لبضع سنوات يفتك ويبطش. والعاقبة للمتقين.
يروي لنا الصحابي الجليل سهل بن سعد الساعدي الأنصاري مشاهداته في دمشق لحظة وصول الموكب الحسيني: قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن!. فرأيت قوماً يتحدثون. فقلت: يا هؤلاء ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟! قالوا: يا شيخ نراك غريبا!. فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول الله (ص) وحملت حديثه. فقالوا: يا سهل؛ ما أعجبك، السماء لا تمطر دماً! والأرض لا تخسف بأهلها!. قلت: ولم ذاك؟ فقالوا هذا رأس الحسين عترة رسول الله (ص) يهدى من أرض العراق إلى الشام، وسيأتي الآن. قلت: واعجباه؛ أيهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟! فمن أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له: باب الساعات، فسرت نحو الباب، فبينما أنا هنالك، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان، وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله، وإذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء. فدنوت من إحداهن فقلت: يا جارية من أنت؟ فقالت: سكينة بنت الحسين. فقلت لها: ألك حاجة إلي؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمع حديثه. قالت: يا سهل قل لصاحب الرأس أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا ! فنحن حرم رسول الله. فدنوت من صاحب الرأس وقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار؟ ! قال: وما هي؟ قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك ودفعت له ما وعدته.(10) هذه الرواية وغيرها مما رواه المؤرخون عن حال العاصمة الأموية أثناء دخول الموكب الحسيني يكشف أن الكذب والإفترء وإخفاء الحقيقة أدوات مهمة يستخدمها الطواغيت في إعلامهم المضلل، وعادة لا يلجأ إليها إلا الضعفاء من بني البشر، ويزيد بن معاوية وبالرغم من امتلاكه لأسباب القوة إلا أنه ضعيف حتى في عاصمته، لأن بنيانه قام وامتد واستطال على الوهم والكذب والخداع، ولا يمكن الاستمرار إلا به. فالزينة والاحتفال والابتهاج ليس لقتل سيد من سادات أمة الإسلام وسبي نسائه وأطفاله، وإنما هو خارجي خرج على الشرعية فلاقى حتفه وأخذ جزاءه. هكذا صور لهم، وأضلهم.ولكن أليس الصبح بقريب؟ ففي الطريق إلى مجلس الخلافة يتوقف الركب في موقع مختص بالسبي عند درج المسجد، فيأتي رجل مسن، يقترب من الركب قليلاً ثم يخاطبهم قائلاً: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح الرجال من سطوتكم وأمكن أمير المؤمنين منكم!. فقال له علي بن الحسين (ع): يا شيخ هل قرأت القرآن؟ فقال: نعم قد قرأته. قال: فعرفت هذا الآية ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. سورة الشورى، آية 23 قال الشيخ : قد قرأت ذلك. قال علي بن الحسين (ع): فنحن القربى يا شيخ. فهل قرأت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. سورة الإسراء، آية 26 قال الشيخ: قد قرأت ذلك. فقال علي (ع): نحن القربى يا شيخ. ولكن هل قرأت هذه الآية ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. سورة الأنفال، آية 41 قال الشيخ: قد قرأت ذلك. قال الإمام (ع): فنحن ذو القربى يا شيخ. ولكن هل قرأت هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. سورة الأحزاب، آية 33 قال علي (ع): فنحن أهل البيت الذين خصصنا بآية التطهير. فبقي الشيخ ساعة ساكتاً نادماً على ما تكلمه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني تائب إليك مما تكلمته، ومن بغض هؤلاء القوم، اللهم إني ابرأ إليك من عدو محمد وآل محمد من الجن والإنس.(11) وتنتقل المعركة من أرض كربلاء إلى مجلس الملك الأموي، فيزيد يسعى إلى كسب الناس بإخفاء الحقيقة وطمسها عن أعين الناس، بينما موكب الرسالة يعرون أباطيله وزيفه وكذبه. ويبدأ المجلس بحضور أشراف الشام، فيأمر يزيد بإحضار الرؤوس، ولما وضعت الرؤوس بين يديه تمثل ببيت من قصيدة للحصين بن الحمام فقال(12): يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما وجعل ينكت عليه بالخيزران! ويتمثل بأبيات ابن الزبعري قائلاً(13): ليت أشياخي ببدر شهدوا
|